اتفاق “الفرصة الأخيرة” بين تايلاند وكمبوديا: ترحيب دولي واسع ودعوات لترسيم نهائي للحدود تحت مظلة “آسيان”

✍️سيلين القاضي -القاهرة
نجحت الجهود الدبلوماسية والعسكرية المشتركة بين تايلاند وكمبوديا في التوصل إلى اتفاق ثانٍ لوقف إطلاق النار، ينهي جولة من الصدامات المسلحة الشرسة التي اندلعت في المناطق الحدودية المتنازع عليها، وهي الخطوة التي لاقت ترحيباً دولياً واسعاً بوصفها مخرجاً ضرورياً لنزع فتيل أزمة كادت أن تعصف باستقرار منطقة جنوب شرق آسيا. ويقضي الاتفاق الجديد بوقف كافة العمليات القتالية فوراً، وسحب القوات من نقاط التماس المباشرة، وتفعيل “لجنة حدودية مشتركة” للإشراف على التهدئة ومنع أي خروقات ميدانية قد تهدد صمود الهدنة، مع الالتزام بفتح قنوات اتصال دائمة بين القادة الميدانيين لتجاوز أي توترات طارئة.
وتعود جذور هذا الصراع الحدودي المرير إلى عقود طويلة، وتحديداً حول منطقة معبد “برياه فيهيار” التاريخي الذي يعود للقرن الحادي عشر؛ حيث تكمن معضلة النزاع في تضارب الخرائط التاريخية، فبينما تعتمد كمبوديا على خريطة رسمها الاستعمار الفرنسي في مطلع القرن العشرين، تتمسك تايلاند بخرائط لاحقة تضع مساحات من الأراضي المحيطة بالمعبد تحت سيادتها. ورغم صدور حكم من محكمة العدل الدولية عام 1962 يقضي بسيادة كمبوديا على المعبد، إلا أن النزاع ظل مشتعلاً حول مساحة 4.6 كيلومتر مربع من الأراضي الغابية المتاخمة له، والتي تحولت بمرور الوقت إلى ساحة للمواجهات العسكرية المتكررة كلما تصاعدت القومية السياسية في أي من البلدين.
إن هذا الاتفاق الثاني لوقف إطلاق النار يمثل فرصة استراتيجية لتجاوز الإرث التاريخي المثقل بالخلافات، حيث يتطلع الطرفان من خلاله إلى تحويل المنطقة الحدودية من ساحة حرب إلى منطقة تعاون اقتصادي وتجاري. ويرى مراقبون أن نجاح هذه الهدنة يتوقف على مدى قدرة الحكومات في “بانكوك” و”بنوم بنه” على كبح جماح التصعيد الميداني والبدء في ترسيم نهائي للحدود تحت إشراف دولي، بما يضمن حماية التراث الثقافي العالمي المشترك وتأمين حياة المدنيين الذين دفعوا ثمن هذا الصراع الشرس عبر سنوات من النزوح والاضطراب.
وعلى الصعيد الدولي، قوبل الاتفاق بترحاب واسع؛ حيث أصدرت الأمانة العامة للأمم المتحدة بياناً أشادت فيه بروح المسؤولية التي أبداها الجانبان، مؤكدة أن الحوار السياسي هو السبيل الوحيد لإنهاء النزاع الحدودي الممتد منذ عقود، والذي تعود جذوره إلى تباين الخرائط الاستعمارية الفرنسية والتايلاندية حول السيادة على مساحة 4.6 كيلومتر مربع تحيط بالمعبد المصنف ضمن التراث العالمي. كما دعت المنظمة الدولية إلى ضرورة احترام أحكام القانون الدولي ومخرجات محكمة العدل الدولية لضمان عدم تكرار الصدامات التي تهدد السلم والأمن الإقليميين.
من جانبها، أعلنت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) عن دعمها الكامل لهذا الاتفاق، واصفة إياه بـ “الخطوة الشجاعة” نحو الاستقرار الإقليمي. وأعربت الرابطة عن استعدادها للعب دور الوسيط والضامن عبر إرسال مراقبين غير عسكريين لمراقبة صمود الهدنة على الأرض، وذلك في إطار جهودها لتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول الأعضاء وتجنب التدخلات الخارجية في الشؤون الإقليمية. ويرى الخبراء أن هذا الزخم الدولي يضع حكومتي “بانكوك” و”بنوم بنه” أمام اختبار حقيقي لتحويل هذا التوقف المؤقت لإطلاق النار إلى سلام دائم عبر ترسيم فني ونهائي للحدود، ينهي واحداً من أعقد النزاعات الترابية في القارة الآسيوية.


