منوعات

صموئيل العشاي يكتب: ملحمة وطنية في دمياط

 

أمس، وبينما كانت منصات التواصل الاجتماعي تضج بالشائعات، ويتسابق البعض إلى إطلاق التحليلات والاتهامات، كانت مؤسسات الدولة تخوض ملحمة وطنية حقيقية للسيطرة على الحريق الذي اندلع في السفينتين داخل ميناء دمياط، ومنع كارثة كان يمكن أن تكون عواقبها بالغة الخطورة.

أدت وزارات البترول، والنقل، والكهرباء، بالتنسيق مع مجلس الوزراء، دورًا محوريًا في احتواء الحريق ومنع امتداده، خاصة أن السفينتين تحملان غازًا طبيعيًا مسالًا، وكان انفجار إحداهما أو كلتيهما كفيلًا بإحداث كارثة هائلة تمتد آثارها إلى الاقتصاد المصري والعالمي، وحركة الملاحة في البحر المتوسط.

وإلى جانب هذه الجهود، شاركت وزارة الداخلية بأجهزتها الأمنية، وأجهزة الاستخبارات المصرية، والقوات المسلحة، كلٌّ في نطاق اختصاصه. فقد أمّنت الأجهزة الأمنية محيط الميناء والمنشآت الحيوية، ومنعت أي محاولات لاستغلال الحادث أو إثارة الاضطرابات، فيما تولت أجهزة الاستخبارات تتبع مصدر التهديد وجمع المعلومات اللازمة لحماية البنية التحتية للطاقة، بينما وفرت القوات المسلحة الدعم اللوجستي والتنسيقي اللازم، ضمن منظومة وطنية متكاملة عملت بكفاءة وانضباط.

في مساء الأربعاء 29 يوليو 2026، اندلع حريق في ميناء دمياط على متن وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة «إنرجوس وينتر»، المملوكة لشركة أمريكية، وناقلة الغاز «جاس لوغ ساليم». وأكدت الحكومة المصرية لاحقًا أن طائرة مسيّرة تسببت في الحريق، في حادث يُعد الأول من نوعه الذي يستهدف بنية تحتية للطاقة في شرق المتوسط خلال التوترات الإقليمية الحالية.

لكن الحقيقة لم تكن فيما تردد على مواقع التواصل الاجتماعي، بل فيما جرى على أرض الواقع. فقد تحركت فرق الإطفاء والطوارئ فورًا وفق خطط الطوارئ المعتمدة، وسُحبت السفينتان بعيدًا عن الرصيف، وأُخلي غير الضروريين من أفراد الطاقم، وتمت السيطرة على الحريق دون وقوع أي إصابات أو وفيات، ودون أن تمتد النيران إلى خزانات الغاز أو منشآت الميناء. كما انتقل وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، إلى موقع الحادث لمتابعة عمليات السيطرة ميدانيًا.

ويُعد ميناء دمياط أحد أهم الموانئ الاستراتيجية في قطاع الطاقة، إذ يمثل محورًا رئيسيًا لاستقبال وتداول الغاز الطبيعي المسال. وكان أي انفجار أو تسرب كبير سيهدد إمدادات الطاقة، ويؤثر في حركة الملاحة بشرق المتوسط، ويلحق أضرارًا جسيمة بالاقتصاد المصري والعالمي. إلا أن التنسيق المحكم بين مختلف أجهزة الدولة حال دون وقوع هذه الكارثة، وأعاد العمل في الأرصفة الأخرى إلى طبيعته في وقت قياسي.

في زمن تُصنع فيه «الحقائق» على الشاشات قبل التحقق منها، أثبتت الدولة المصرية مرة أخرى أن إدارة الأزمات تُقاس بما يُنجز على الأرض، لا بما يُقال عبر المنصات. فالفرق التي أخمدت النيران، والأجهزة التي أمّنت محيط الميناء، والاستخبارات التي تابعت التهديد، والقوات المسلحة التي قدمت الدعم، لم تنشغل بالضجيج، بل أدت واجبها بكفاءة حتى انتهت الأزمة.

لم تكن هذه مجرد عملية إطفاء، بل ملحمة وطنية في دمياط، أكدت أن تكامل مؤسسات الدولة، كلٌّ في موقعه واختصاصه، هو الضمان الحقيقي لحماية الوطن ومقدراته، وأن الأفعال تبقى دائمًا أبلغ من الضجيج والكلمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى