منوعات

يوسف عبداللطيف يكتب: طابور الصباح.. حين يتحول التعليم إلى “بروفة” لامتصاص الأزمات التنظيمية!

 

على ناصية الشارع أمام باب المدرسة، التقيت بصديقي الوفدي القديم “عاشور العايق”، وهو يمسك بحقيبة مدرسية ثقيلة كاد حمالها ينقطع، ويسحب خلفه ابنه الصغير. نظر إلي وقال بتهكمه المعهود: “يا أستاذ يوسف، زمان كنا بندخل المدارس عشان نتعلم العلم، والنهاردة داخلين عشان نتعلم مهارات الصمود وفنون حجز الديسك الأول!”. تذكرت وقتها مقولتي بأن مواسم الدراسة في بلادنا تحولت من فترات للتنوير إلى مواسم ممتدة للقلق الاجتماعي والمناورات الإدارية.

 

نحن على مشارف الساعات الأولى للعام الدراسي الجديد، وبينما تتزين الشاشات بالبيانات الرسمية المنمقة حول الجاهزية والانتهاء من الصيانة الشاملة، يقف أطراف المنظومة التعليمية أمام واقع هيكلي معقد يتجاوز مجرد الوعود؛ فالمنظومة لم تعد تشتكي من نقص عابر، بل من تشوهات بنيوية مزمنة تحولت بمرور العقود إلى نمط إداري ثابت.

 

رباعية الأزمة (المعلم، الطالب، ولي الأمر، والمدرسة) تتدفق في حلقة مفرغة من المعاناة؛ فالمعلمون يواجهون تحديات العجز الحاد في أعداد التدريس وضغوط فصول تتجاوز كثافتها الفردية في بعض المناطق حاجز ال 50 طالبا، مما يقلل من جودة التحصيل الدراسي.

 

أما ولي الأمر، فيتحمل العبء المالي الحقيقي؛ وحيث تثبت الأرقام الرسمية الصادرة عن دراسة بيت الخبرة البرلماني لشهر أغسطس 2026 أن بند التعليم يستحوذ على ما يتراوح بين 2,488 جنيها إلى 7,275 جنيها شهريا من ميزانية الأسرة الحضرية المتوسطة. هذا التفاوت المرتبط بدرجة الاعتماد القسري على الكتب الخارجية ومجموعات الدعم، يجعل التعليم المجاني الدستوري مكلفا لجيوب المواطنين لإيقاف فجوة المنظومة الرقمية.

 

وفي قلب هذا المشهد، تبرز أزمة “مجالس الآباء والمعلمين” كأحد مظاهر الإفراغ التنظيمي من المضمون؛ فهذه المجالس التي يفترض بها أن تكون حلقة الوصل القانونية والديمقراطية بين المجتمع والمدرسة، تحولت عمليا إلى كيانات صورية تفتقر للصلاحيات الفعلية.

 

آليات اختيار هذه المجالس في الغالب تبتعد عن التقييم الحقيقي لتستند إلى الاختيارات الفوقية أو التزكيات الإدارية، لتصبح مهمتها الأساسية تجميل القرارات التنفيذية، أو التحول إلى “صندوق تبرعات ودعم مالي” للمدرسة لسد عجز الإمكانيات، دون أن تملك أي وزن قانوني أو قدرة على مراقبة جودة العملية التعليمية أو تعديل مسار القرارات الإدارية المفروضة بليل.

 

أما أحدث مظاهر الاضطراب الإداري، فتتجسد في التنازع التنظيمي الأخير بمحافظة القليوبية، والذي كشف عن معضلة “الازدواجية” في إدارة الملفات الخدمية؛ حيث أصدر محافظ القليوبية الدكتور حسام عبد الفتاح قرارا تنفيذيا بإعفاء مدير مدرسة برقطا بكفر شكر بدعوى تقاعسه عن رصد جوانب القصور بالمدرسة وغياب السور؛ ليعقبه مباشرة رد فعل مركزي مغاير تماما باستقبال وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف للمدير وتكريمه بمقر الوزارة بدعوى الحفاظ على كرامة الإداريين وتوفير سور مسبق الصنع للمدرسة.

 

هذا التباين الحاد في التعامل مع واقعة واحدة يعكس خللا واضحا في التنسيق بين السلطة المحلية المركزية والمحافظين؛ فبينما ترى المحافظة أن الإعفاء العاجل هو آلية فرض الانضباط والرقابة الميدانية، تعتمد الوزارة آلية التهدئة وامتصاص حالة الجدل المثارة عبر منصات التواصل الاجتماعي. والتحليل المؤسسي الهادئ يؤكد أن المشكلة الأساسية لا تكمن في شخوص المسؤولين أو زيهم، بل في غياب التوازن التشريعي بين صلاحيات المحليات والإدارة المركزية للوزارة، فضلا عن تأخر تدبير الموازنات المرنة التي تتيح لمديري المدارس معالجة الأزمات اللوجستية قبل بداية العام الدراسي.

 

الحديث عن الحلول الجوهرية ليس لغزا يعجز عنه التخطيط، بل يتطلب مسارات مالية وإدارية واضحة المعالم:

 

*

* أولا: تفعيل حقيقي للمركزية الإدارية لمديري المدارس، بحيث يمنح مدير المدرسة صلاحيات مالية مباشرة وموازنة مستقلة للصيانة والتشغيل، بدلا من تركه مكبلا بانتظار موافقات الإدارات التعليمية وهيئة الأبنية.

* ثانيا: إصلاح منظومة مجالس الآباء عبر تعديل تشريعي يمنحها صفة “المجلس الرقابي المستقل” بانتخابات حرة ومباشرة من أولياء الأمور، مع إعطائها حق الفيتو على ميزانيات الصيانة وتوزيع الكثافات الطلابية داخل المدرسة.

* ثالثا: معالجة أزمة عجز المعلمين بآليات تمويلية مستدامة، عبر إعادة توجيه جزء من الصناديق الخاصة التابعة لوزارة التربية والتعليم لرفع أجور المعلمين المؤقتين والمعينين، لضمان استقرار المنظومة بدلا من الاعتماد على الحلول المسكنة.

 

صديقي “عاشور العايق”، وهو ينظر إلى بوابات المدرسة التي فتحت لاستقبال الطلاب، التفت إلي وقال باستهزاء لاذع: “يا أستاذ يوسف.. الوزير بيصالح الناظر بالاحضان والمحافظ بيعاقبه بالاستبعاد، وإحنا في النص بندفع ثمن تذكرة الفرجة والكتب الخارجية.. والسيستم شغال بروفات والضحية دايما عيالنا!”.

 

وسط زحمة الطابور وصوت الجرس التذكاري، تظل الحقيقة واضحة لا غبار عليها: إن بناء المستقبل لا يقوم على سياسة لقطات التكريم أو قرارات العقاب اللحظية لامتصاص الأزمات، بل يقوم على رؤية محاسبية واضحة تحترم كرامة المعلم، وتوفر للفصل آدميته، وتعيد للمواطن ثقته في أن المدرسة الحكومية هي محراب للعلم وليست مجرد بند دفتري يدار بالمسكنات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى